الاثنين، 9 نوفمبر 2020

خصائص السرد القصصي و أبعاده في المجموعة القصصية ذكريات و مواجع على ضفاف عدن للدكتور محمد عبد الرحمن يونس الجزء الثالث و الأخير the third part 3 من 3 بقلم الدكتورة أمل عباسي ناقدة، قاصة، شاعرة من المغرب

 



                خصائص السرد القصصي و أبعاده  

في  المجموعة القصصية  ذكريات و مواجع على ضفاف عدن

 للدكتور  محمد عبد الرحمن يونس

الجزء الثالث و الأخير

the third part

3 من 3

 بقلم الدكتورة أمل عباسي

ناقدة، قاصة، شاعرة من المغرب

 

 

 أما بخصوص الزمن المستعمل في مجموع القصص، فقد اعتمد القاص على الزمن المفتوح : زمن الحكي، زمن الوصف، الزمن الخارجي : زمن الأحداث والوقائع ، والزمن النفسي تشخص ذلك الديالوجات المختلفة للشخصيات بصنفيها الرئيسي والثانوي، حيث مكن هذا النوع من الزمن القاص من توظيف السرد الحلزوني الذي يبدأ بالفكرة ليعود إليها بعد تحولات سردية مختلفة، فمثلا في أقصوصة كوابيس، جاءت البداية كالآتي:

 (يحاصرني الجند ..تشرئب أعناقهم، تلمع رماحهم كوميض برق ..يصطفون في أنساق متلاحمة، تتشابك الرماح وتتعانق الخوذ .....)، أما النهاية فكانت كما يلي : (في الفضاء كانت بعض النوارس تعلو وتهبط معانقة صفحة الماء، وكانت الشمس تجر ذيولها متثاقلة ذابلة نحو خط الأفق الغربي ...انتهت القصة، أما الكوابيس فلم تنته بعد ).

 وهكذا تنتهي هذه القصة مسجلة البداية نفسها، بل وتبقى مفتوحة على ما لانهاية، ففي الاستمرارية حظوظ إشراك المتلقي في عملية السرد وتبادل الأدوار مع الكاتب.

يرى فتحي الأبياري (أن القصة القصيرة تعالج جانبا واحدا من الحياة يقتصر على حادثة واحدة، لا تستغرق فترة طويلة من الزمن)، بينما يكسر القاص هنا هذه القاعدة، حيث تعالج القصة الواحدة مجموعة من الأحداث في خط سردي واحد، مثلا في قصة (سفر ومواجع)، انتهك القاص حرمة الطابوهات، وطرح عدة قضايا: منها : طبقية الجامعات و إيديولوجيات بعض محتكريها والمحسوبين عليها بالخطإ،  تدني قيمة الشواهد الجامعية أمام مطالب الحياة حتى البسيطة منها، أتعاب وتبعات عوالم الشهوة، أحلام الشباب بالفردوس المفقود والسفر خارج أوطانهم للبحث عن سبل عيش رغيد، عجرفة موظفات الشركات وخروج المرأة المُتاجرة بشرفها وجمالها ـ في الكثير من الأحيان ـ عن شرنقة الحياء، وهي متواليات سردية تسير في خط سردي موحد بالرغم من اختلافها لترسم الصورة الكلية والفسيفساء العامة للعوالم السردية الفرعية، مما يعطي للمجموعة القصصية جدة وخروجا عن المألوف العام، فأحداث المجموعة القصصية لا تنتهي بانتهاء القصة بل هي أحداث متناسلة يولد بعضها بعضا .. تبدأ في قصة وتتطور في أخرى و تظهر في الموالية بشكل وعنوان مختلفين دون أن تهمل دور المتلقي في إتمام نوستالجيا الخطاطة السردية التي رسمت خط البداية.

و إجمالا، تعتبر المجموعة القصصية (ذكريات ومواجع ضفاف على عدن) للقاص والناقد الدكتور محمد عبد الرحمن يونس جغرافية أدبية عامة للأمكنة والأزمنة والأحداث والشخصيات، تحتفي بمكونات القصة احتفاء نفسيا واجتماعيا وسياسيا، تستقي من اليومي المعيش ما يغني عوالمها وتقدمه في قالب أدبي يتوج عرش اللغة البليغة ويستنفد من متلقيه شوقه وصبره ويعول على ذكائه لإتمام بياضات لم تذكر صريحة بل أُضمرت لتحقق متعة السفر الأدبي وتعنت الحكي الذي لا يقدم نفسه بسهولة بالرغم من سلاسة اللغة التوصيلية في المجموعة القصصية، وهنا يحضر السهل الممتنع ليجمع بين السارد ومتلقيه ويخلق دائرة التلقي كما عبر عنها كل من (ياوس) و(إيزر).

المجموعة القصصية ( ذكريات ومواجع ضفاف على عدن ) تضاهي قصص الكبار، ومنها قصة (الحيلة) لموباسان التي ظلت لزمن تشغل النقاد نظرا لحسن توظيفها لكل تقنيات الكتابة القصصية، ولاعتمادها على الزمن الطويل الممتد بالرغم من قصر القصة، وهذا ـ في نظري ـ ما حققته هذه المجموعة التي اختارت لمجمل قصصها خيطا ناظما وكأنها درر في عقد فريد.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق