الاثنين، 9 نوفمبر 2020

مقطع من رواية ولادة بنت المستكفي في فاس للكاتب محمد  عبد الرحمن يونس

على صفحة المحيط الأطلسي كانت السفينة العملاقة (ليبرتي) تدغدغ أمواجه الهادئة متجهة صوب اليكانت. بدت ولادة حزينة وهي تراقب النوارس الجميلة التي تدور حول نفسها، والسفينة دورانا ساحراً بديعاً... ولعنت فاس والساعة التي فكرت فيها بزيارتها... لماذا صارحتهم بالحقيقة يا ولاّدة... هؤلاء الأغبياء يعتقدون أنني أكذب... وحتى لو أن "قرقوش الاسخريوطي" استطاع أن ينال مني جسدي وروحي هل كنت سأصبح عاهرة؟ دموع غزيرة انسكبت من عينها الجميلتين... وكانت الدار البيضاء الساحرة تبتعد بمينائها وبناياتها الشامخة وسمائها الشاحبة المزروعة بآلاف الغربان والنسور الجارحة، ولم تكن حاقدة على أصدقائها... وخلاياهم المزروعة ببكتيريا الجنس والشهوة والشك.. هم العربان و البدو هكذا. ورغم أنها لم تمنح عباس بن فرناس، أول عاشق مجنون، و أول حكيم شفاف، قبلة واحدة، إلاّ أنه كان أول من وثق بها وصدّقها. و أحست أنها جاحدة بحقّ هذا الرجل الشهم.. و ستكفّر عن خطيئتها معه، عندما يصلان إلى غرناطة، و ستعوضه كل ما حُرِم منه من لذائذ و مسرات. و انزوت بعيدا في طرف السفينة تتأمّل صفاء البحر الموشّى بأضواء النجوم. تبعها عباس بن فرناس .

ـــ سيدتي أيتها الأميرة الرائعة.. جرحت قلبي.. لا شيء يستحقّ البكاء. أرجوك كفّي عن هذا الحزن. غدا نصل أليكانت .. بعدها نعبر إلى غرناطة.. سأزيّن قصرك بأجمل الزخارف و النقوش التي لم تخطر على ذهن مخلوق في هذه الأرض.

و مسح عينيها الجميلتين بيده المتوهجة. كم يبدو رقيقا وصافيا في تلك الليلة، وكم بدت حنونة.. هي التي ضنّت عليه بقبلة واحدة، و هو الذي يتفجّر كرما و شفافية و سريرة صافية.

ـــ كم أنا بحاجتك يا عبّاس .. أرجوك أن تبقى معي.. قد أكون قسوت عليك .. سامحني أنت الكريم أيها الحكيم و الفيلسوف، و أنا الخاطئة.

ــ أنت الطاهرة يا سيدتي و ستظلين.. و قرقوش الأسخريوطي يعيش نذلا و يموت نذلا.. أنت تكبرين في قلبي و روحي.. لو أنّ امرأة غيرك من غرناطة لقبلت به، و رضيت بالقليل القليل.. أمّا و أنت ترفضين قصره و عزّه فأنت المكللة بالتيجان. ستعيشين أميرة و تموتين أميرة.

من الرواية ، ص 224 ـــ 225 .




* ولادة بنت المستكفي في فاس ـ رواية للدكتور محمد عبد الرحمن يونس
الناشر : دار الكنوز الأديبة ـ بيروت ـ لبنان


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق