المرأة و الجسد في رواية ولادة بنت
المستكفي في فاس ، للكاتب محمد عبد الرحمن يونس
إنّ المرأة في الرواية ليست عالما مجردا، أو
بنية جسديّة تخضع لحالات انفعالات و هيجانات تعيق حالة التركيز و التأمل, أو بنية
جسدية تخضع لحالات الدونيّة، و هي بالتالي ليست عالما أسفل، أو مجرد أهواء تنطلق
من أعماق اللاشعور، لتصاب بالانحلال و التفسخ بدون ضوابط،و الجسد ليس شهوة أو رغبة
أو حتى حقيقة، و إنّما هو جسر لامتداد إنساني، و مرض مشروط بتحكم بنية عليا، تفرض
أقصى سطوتها، فيصبح الظلم قانونا أقوى من المقدرة على المواجهة، فيتراجع الحلم، و
يستيقظ الوعي على العجز و القهر، و بالتالي فالمرأة في الرواية ليست هدفا مباشرا،
أو مادة تحليلية بعينها، أو متناولا نهائيا، أو حتى تصوير لطقس ما يرضي المخيّلة و
بواطن الأشياء، لكنها في الحقيقة رمز أعلى لتراكم عبثيات القانون البطريركي. ولم
يحاول الكاتب إيجاد مبررات الانحراف، لأنه من المؤكد أن الظواهر اللاسوية، ما هي
إلا نتائج لأسباب قائمة فعلا. و قد ترك شخصياته تتداعي إنسانيا بشكل حرّ، ومن دون
أن يلجم انفلاتاتها، أو يتدخل في حدود المعقول و اللامعقول، فيمزّق هذا التغليف
المعلّب و المهذّب للشخصيات، و يرتقي لحالة التنبؤ بمقدرة الإنسان على التغيير عند
توفر شرطه الإنساني، فهاهي زهرة تحمل لقب ( عاهرة) لكنها تتحول بين يدي عباس بن
فرناس ــ المضطهد بعلومه وأبحاثه ، و المقهور بأعماقه وبنيته الشكليّة ـــ إلى روح
و فراشة تحلّق في الأعالي، لتبلغ ذروة السماء, إنّها المرأة التي جعلها القانون و
العرف الاجتماعي مداسا لجميع أنواع الأحذية.
إنّها لمدينة التي تغيب فيها بوابات الحلم و
الأمل و الوطن الذي تقتل فيه أنسجة الحياة، و تعدم فيه الأجنة قبل ولادتها، فطبيعي
أن تبدو ملامحها التكوينية الحركية قاسية حزينة، و ربما فاجرة، بحكم زمن ينتهك
حرية الفرد، و يخون مقدساته، و عند أول محاولة لمعانقة إنسانيتها الميتة، و مناجاة
أعماقها الدفينة، يتفجّر داخلها شلالات حب و سحر وجمال، تنتحر عنده كل آثام
الماضي، و يولد فجر جديد معلنا بداية التكوين.
و في شخصية ولادة بنت المستكفي، نستشف
الإدراك الحقيقي لمعنى الوجود.. انصهارا لشعور باللاشعور لتحقيق وحدة النفس و
انسجامها. هي السمو بالكيان، و الارتقاء بالإحساس و الكبرياء. هي الموجود المتصل
بالكون المتحرر من أسر الأهواء. إنها عالم الأسوياء، عالم الأحرار بكل معاييره
الحياتية و الوجودية، وبالتالي فهي العالم الغريب المحارب في أدق تفاصيل حياته، و
الأكثر خطورة على إمبراطورية الظلم و الاستبداد. وقد حمّلها الكاتب بعدا إنسانيا أخلاقيا
قادرا على البناء و التشكيل والاستمرار. إنها الرمز الذي يكشف الأسرار و الفعل
المقرون بطاقة فاعلة تحاول إزالة الستار و كشف نوافذ الخلاص. و في رحلتها تتكشف
معالم الرواية و دلالاتها الرمزيّة، لتتشابك أحداثها عبر شخصيات محوريّة وهامشيّة،
تتداخل إنسانيا، تشتعل الأحلام، و يتوقّد العقل و الذاكرة، تبني آمال ثم تتحطم
أمام جبروت الواقع و عمق الفاجعة.
إنّه الكاتب يودّعنا عند شواطئ الأطلسي،
لتتلقفنا مياهه، و تحكي لنا سر الغربة و الأزمنة السوداء. إنه الكاتب يرتحل تاركا
الرمال و السماء وحرية اختيار الأوسمة.
إنّه الكاتب يمتطي شراعا يعبر جسر الخوف، و
نتقل من حالة الانفعال إلى حالة التأثير، ليحطم مثلث التحريم، ويدخل في عمق
الأشياء. إنه الكاتب يترك لنا ( ولادة بنت المستكفي في فاس) عملا إبداعيا حرا، و
قيمة تاريخية خالدة ستظل أبدا تحكي الرواية.
* ولادة بنت المستكفي في فاس ـ رواية للدكتور محمد عبد
الرحمن يونس
الناشر : دار الكنوز الأديبة ـ بيروت ـ لبنان
ص8،9،10،11.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق