الاثنين، 9 نوفمبر 2020

  

 المرأة و الجسد في رواية ولادة بنت المستكفي في فاس ، للكاتب محمد عبد الرحمن يونس 

د. ناديا إبراهيم الخطيب

إنّ المرأة في الرواية ليست عالما مجردا، أو بنية جسديّة تخضع لحالات انفعالات و هيجانات تعيق حالة التركيز و التأمل, أو بنية جسدية تخضع لحالات الدونيّة، و هي بالتالي ليست عالما أسفل، أو مجرد أهواء تنطلق من أعماق اللاشعور، لتصاب بالانحلال و التفسخ بدون ضوابط،و الجسد ليس شهوة أو رغبة أو حتى حقيقة، و إنّما هو جسر لامتداد إنساني، و مرض مشروط بتحكم بنية عليا، تفرض أقصى سطوتها، فيصبح الظلم قانونا أقوى من المقدرة على المواجهة، فيتراجع الحلم، و يستيقظ الوعي على العجز و القهر، و بالتالي فالمرأة في الرواية ليست هدفا مباشرا، أو مادة تحليلية بعينها، أو متناولا نهائيا، أو حتى تصوير لطقس ما يرضي المخيّلة و بواطن الأشياء، لكنها في الحقيقة رمز أعلى لتراكم عبثيات القانون البطريركي. ولم يحاول الكاتب إيجاد مبررات الانحراف، لأنه من المؤكد أن الظواهر اللاسوية، ما هي إلا نتائج لأسباب قائمة فعلا. و قد ترك شخصياته تتداعي إنسانيا بشكل حرّ، ومن دون أن يلجم انفلاتاتها، أو يتدخل في حدود المعقول و اللامعقول، فيمزّق هذا التغليف المعلّب و المهذّب للشخصيات، و يرتقي لحالة التنبؤ بمقدرة الإنسان على التغيير عند توفر شرطه الإنساني، فهاهي زهرة تحمل لقب ( عاهرة) لكنها تتحول بين يدي عباس بن فرناس ــ المضطهد بعلومه وأبحاثه ، و المقهور بأعماقه وبنيته الشكليّة ـــ إلى روح و فراشة تحلّق في الأعالي، لتبلغ ذروة السماء, إنّها المرأة التي جعلها القانون و العرف الاجتماعي مداسا لجميع أنواع الأحذية.

إنّها لمدينة التي تغيب فيها بوابات الحلم و الأمل و الوطن الذي تقتل فيه أنسجة الحياة، و تعدم فيه الأجنة قبل ولادتها، فطبيعي أن تبدو ملامحها التكوينية الحركية قاسية حزينة، و ربما فاجرة، بحكم زمن ينتهك حرية الفرد، و يخون مقدساته، و عند أول محاولة لمعانقة إنسانيتها الميتة، و مناجاة أعماقها الدفينة، يتفجّر داخلها شلالات حب و سحر وجمال، تنتحر عنده كل آثام الماضي، و يولد فجر جديد معلنا بداية التكوين.

و في شخصية ولادة بنت المستكفي، نستشف الإدراك الحقيقي لمعنى الوجود.. انصهارا لشعور باللاشعور لتحقيق وحدة النفس و انسجامها. هي السمو بالكيان، و الارتقاء بالإحساس و الكبرياء. هي الموجود المتصل بالكون المتحرر من أسر الأهواء. إنها عالم الأسوياء، عالم الأحرار بكل معاييره الحياتية و الوجودية، وبالتالي فهي العالم الغريب المحارب في أدق تفاصيل حياته، و الأكثر خطورة على إمبراطورية الظلم و الاستبداد. وقد حمّلها الكاتب بعدا إنسانيا أخلاقيا قادرا على البناء و التشكيل والاستمرار. إنها الرمز الذي يكشف الأسرار و الفعل المقرون بطاقة فاعلة تحاول إزالة الستار و كشف نوافذ الخلاص. و في رحلتها تتكشف معالم الرواية و دلالاتها الرمزيّة، لتتشابك أحداثها عبر شخصيات محوريّة وهامشيّة، تتداخل إنسانيا، تشتعل الأحلام، و يتوقّد العقل و الذاكرة، تبني آمال ثم تتحطم أمام جبروت الواقع و عمق الفاجعة.

إنّه الكاتب يودّعنا عند شواطئ الأطلسي، لتتلقفنا مياهه، و تحكي لنا سر الغربة و الأزمنة السوداء. إنه الكاتب يرتحل تاركا الرمال و السماء وحرية اختيار الأوسمة.

إنّه الكاتب يمتطي شراعا يعبر جسر الخوف، و نتقل من حالة الانفعال إلى حالة التأثير، ليحطم مثلث التحريم، ويدخل في عمق الأشياء. إنه الكاتب يترك لنا ( ولادة بنت المستكفي في فاس) عملا إبداعيا حرا، و قيمة تاريخية خالدة ستظل أبدا تحكي الرواية.


* ولادة بنت المستكفي في فاس ـ رواية للدكتور محمد عبد الرحمن يونس
الناشر : دار الكنوز الأديبة ـ بيروت ـ لبنان





ص8،9،10،11.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق