رواية "ولادة بنت المستكفي" ملحمة أسطورية و واقعية، تبدد غشاوة العين، و توغل بعيدا في
كشف أسرار النفس البشرية
د. ناديا إبراهيم الخطيب.
لقد جاءت رواية ولادة بنت المستكفي في فاس للكاتب محمد
عبد الرحمن يونس، عملا مهما، استطاع فيه أن ينفذ إلى أدق المشاعر الإنسانية،
ويعاين قلقها وهمومها، و يستنزف انفعالات شخوصها لتتناثر عبر عالم رحب، تتصل فيما
بينها معلنة ولادة عالم مشوّه تحكمه مملكة الخوف و القهر و الظلم الإنساني.
و قد رصد الكاتب
أحداث روايته في المغرب العربي، هذا الجزء المهم و الحساس على خارطة الوطن العربي،
و الذي يحتل مكانة مهمة في أعماق كل فرد عربي، و هو الشطر الذي عاش فيه الكاتب
سنين طويلة.
"ولادة بنت المستكفي"
صرخة عارية في وجه خطر الطغيان والاستبداد، هذه الحقيقة الماثلة والفعّالة، والقوة
المستقلة القادرة على تشكيل وتضاعف بحار من الشرور. هذه الرواية عالم غريب، تغيب
العدالة فيه، رأسماله كومة قوانين عفنة تحوّل العقول والعواطف آلات عمياء، تؤدي في
النهاية إلى فقدان الوعي والذاكرة، بحيث تحقق ثنائية التوافق والوجود المكوم
بالعدمية. عالم يكثر فيه البسطاء و الضعفاء، و تستباح أعز
أشيائهم في وضح النهار، و تحت ضوء الشمس.
"ولادة بنت المستكفي"
ملحمة أسطورية و واقعية، تبدد غشاوة
العين، و توغل بعيدا في كشف أسرار النفس البشرية، مضيئة آفاقا جديدة ، مشكلة
أخاديد من أحزان و آلام لا تنتهي .
وقد اعتمد الكاتب في روايته على
شخصيات تاريخية حقيقية، "ولادة بنت المستكفي"؛ "ابن زيدون"،
"عباس بن فرناس"، مستفيداً بذلك من الرمز كمادة مهمة، تتيح له حرية
التحليل، وإطلاق الأحكام، موظفاً تلك الشخصيات لمعرفة العالم المعاصر، لتنتظم في
سلك الزمن الممتد الذي تنهار فيه صرح الأخلاق، و تموت قدسية الأشياء، وقد ضمّن
شخصياته هذه شروطاً ممتابعة من أفعال وعواطف، محللاً ظواهرها السطحية التي تختفي
بين ثناياها دلالات إيجابية إنسانية، تشير
إلى واقع متهدم، بفعل عوامل صادرة عن مؤثّرات خارجية ، تمتد إخطبوطا في الروح،
تشلّ الفرد، و تسري في عروقه دماء العجز، وعقم المحاولة، وبالتالي فإن شخصيات
الرواية، ما هي إلا صورة حقيقية لنماذج معاصرة، ربما تكونها نحن أو يكونها
الآخرون، مع الأخذ بعين الاعتبار مَنْ نحنُ ومَنْ الآخرون.
ولا
شكّ أنّ الكاتب امتلك جرأة غريبة في معاينة شخوصه و اقتحامها، فقد أنطقها بما يصعب
النطق به، و في هذا تمرد على معقولية المعتاد، و جنوح صوب اللاتهذيب المقونن وفق
كلاسيكيات معقدة، تحتاج لتحطيم بؤر تشكّلها عندما تقتضي الضرورة، و لا أعتقد أن
الكاتب يقصد التهكم أو الإباحية، أو جرح مشاعر التهذيب و الذوق العام، و إذ اعتمد
في بعض الأحيان على مفردات واخزة و صريحة، فلأن ذلك يعكس و اقعا مرا ومستهلكا،
تبدو فيه العبارات أكثر قبولا من الواقع بحد ذاته.
من مقدمة الرواية ، ص 8ــ 9 .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق